أبي منصور الماتريدي
59
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله - عزّ وجل - : وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ هو تحذير وتخويف بتمثيل لا وعيد بتقرير وتصريح ؛ لأن الوعيد على وجهين : أحدهما : على التمثيل « 1 » ، والآخر على التقرير « 2 » في عينه وتصريح . وقوله - عزّ وجل - : إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ قيل : ما قل وما كثر إلا في كتاب ، أي : إلا في اللوح المحفوظ [ مبين ] « 3 » ، ويحتمل إلا في كتاب مبين ، أي : في الكتب المنزلة من السماء والله أعلم . وقال أبو بكر الأصم في قوله : إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ : أي تنتشرون ، وتأويله ولا تعملون من عمل تنتشرون فيه إلا كنا عليكم شهودا . وقوله - عزّ وجل - : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ : قالت المعتزلة : دلت الآية على أن أصحاب الكبائر ليسوا بمؤمنين ؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين لكانوا أولياء الله ، وإذا كانوا أولياء الله لكان لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، فإذا كان لا شك أن على أصحاب الكبائر خوف وحزن [ دل أنهم ليسوا بمؤمنين ولا لهم ولاية الإيمان لكن التأويل عندنا - والله أعلم - : ] « 4 » أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ « 5 »
--> ( 1 ) في أ : التمثال . ( 2 ) في أ : التعزير . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) بدل ما بين المعقوفين في أ : في وقت دون وقت ، ويجوز لأصحاب الكبائر لا خوف عليهم ولا حزن في وقت ، وليس في الآية أن ليس على أولياء الله خوف ولا حزن من أول الأمر إلى آخره . ويحتمل قوله . ( 5 ) أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ . . . الآية ، اختلفوا فيمن يستحق هذا الاسم : فقال بعضهم : هم الذين ذكرهم الله في كتابه ، بقوله : الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ . وقال قوم : هم المتحابون في الله : لما روى أبو مالك الأشعري ، قال : كنت عند النبي صلى اللّه عليه وسلّم فقال : « إن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء ، يغبطهم النبيون والشهداء بقربهم ومقعدهم من الله يوم القيامة » ، قال : وفي ناحية المسجد أعرابي ، فجثا على ركبتيه ، ورمى بيديه ، ثم قال : حدثنا يا رسول الله عنهم ، قال : فرأيت في وجه النبي صلى اللّه عليه وسلّم البشر ؛ فقال : « هم عباد من عباد الله ، من بلدان شتى ، وقبائل شتى ، لم يكن بينهم أرحام يتواصلون بها ، ولا دنيا يتباذلون بها ، يتحابون بروح الله ، يجعل الله وجوههم نورا ، ويجعل لهم منابر من لؤلؤ قدام الرحمن ، يفزع الناس ولا يفزعون ، ويخاف الناس ولا يخافون » . قال أبو بكر الأصم : أولياء الله : هم الذين تولى الله هدايتهم بالبرهان ، وتولوا القيام بحق العبودية ، والدعوة إليه . واعلم : أن تركيب الواو واللام والياء يدل على معنى القرب ، فولى كلّ شيء هو الذي يكون قريبا منه ، والقرب من الله - تعالى - بالمكان والجهة محال ؛ فالقرب منه إنما يكون إذا كان القلب مستغرقا في نور معرفة الله - تعالى - فإن رأى ، رأى دلائل قدرة الله ، وإن سمع ، سمع آيات الله ، وإن نطق ، نطق بالثناء على الله ، وإن تحرك ، تحرك في خدمة الله ، وإن اجتهد ، اجتهد في طاعة الله ، فهناك يكون في غاية القرب من الله ؛ فحينئذ يكون وليّا . ينظر اللباب ( 10 / 366 ) .